أبي منصور الماتريدي
297
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أن من قال : إن الاجتناب هو أقل من التحريم فقد صدق ؛ لأن التحريم هو لحدود الله ، كقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [ المائدة : 3 ] « 1 » . وهذا القول يؤدي - كما يقول الجيلاني بن التوهامي مفتاح - إلى التحلل من بعض الأحكام الشرعية ، فالقول بأن الاجتناب أقل درجة من التحريم يقود حتما إلى القول بعدم حرمة الخمر والزنى « 2 » ، وهو ما صرح به شحرور نفسه حين قال : « وإني أقول لهؤلاء الناس ، أيهما أكبر ، أمن يشرب كأسا من الخمر أم من ينكح إحدى محارمه ؟ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ [ النساء : 23 ] « 3 » . ويقال لشحرور : أليس الشرك من أكبر الكبائر ، وأعلى المنهيات حرمة ، فلما ذا عبر عنه الحق - تبارك وتعالى - بالاجتناب ولم يعبر عنه بالحرمة ؟ قال الله تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل : 36 ] ، وقال سبحانه أيضا : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [ الحج : 30 ] . فعلى مذهب الدكتور شحرور يصبح الشرك بالله والكفر به من الأمور العادية التي تخضع لثقافة الناس وأعرافهم ، مثل : الخمر التي يرى أنها ليست بحرام ولكن تعافها الفطرة ، وهو مخالف لما درج عليه أهل الفسق من استطابتها واعتبارها من أفضل مشروباتهم . يتبين لنا أن تفسير محمد شحرور للحرام والاجتناب مجانب للصواب ، مخالف للأصول الثابتة ، مزلزل لقواعد القرآن وأصوله . ومن تفسيراته - أيضا - ما جاء في مسألة الخلق الآدمي ، فقد انطلق - كما فعل كثير غيره من أصحاب المدرسة الفكرية المعاصرة في التفسير - من نظرية دارون في التطور ، فهو يرى أن آدم انتخب من المملكة الحيوانية البشرية انتخابا ، ولم يخلق ابتداء كما يرى التراثيون ، ويرى شحرور أن خير من أوّل آيات خلق البشر هو ( دارون ) ، ويعتمد نظريته في التطور ويوظفها في تفسير قول الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ [ آل عمران : 33 ] « 4 » . وينقل ماهر المنجد في كتابه ( الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن ) عن شحرور قوله :
--> ( 1 ) د . شحرور : الكتاب والقرآن ، قراءة معاصرة ( ص 477 ) . ( 2 ) المدرسة الفكرية المعاصرة في التفسير ( المسلم المعاصر ، / عدد 102 ) ص ( 49 ) . ( 3 ) د . شحرور : الكتاب والقرآن ص ( 477 ) . ( 4 ) ينظر : الجيلاني بن التوهامي مفتاح : المدرسة الفكرية المعاصرة في تفسير القرآن الكريم ( المسلم المعاصر ، عدد 102 ) ( ص 51 ) .